تستعرض الكاتبة كاثرين هانتر في هذا التحليل كيف تواجه مصر لحظة اقتصادية شديدة الحساسية، إذ تتقاطع ضغوط الطاقة مع تحديات الإصلاح المالي. تضع الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة: تسرّع إصلاح دعم الطاقة للحفاظ على استقرار المالية العامة، وفي الوقت ذاته تحاول حماية المواطنين من صدمة ارتفاع الأسعار، بينما تسعى لإعادة جذب الاستثمارات في قطاع الغاز.
في هذا السياق، تشير مؤسسة إنرجي إنتلجنس إلى أن الحرب في الخليج بين الولايات المتحدة وإيران سرعت وتيرة الإصلاحات بشكل حاد، بعدما كشفت هشاشة منظومة الطاقة المصرية واعتمادها على عوامل خارجية.
إصلاحات قديمة تحت ضغط جديد
بدأت الحكومة مسار إفساد دعم الطاقة منذ عام 2014، حين رفعت الحكومة أسعار الوقود في خطوة أنهت عقودًا من الدعم الواسع. استهلك الدعم في ذروته أكثر من 20% من الموازنة، ما دفع الدولة إلى إعادة هيكلة القطاع بدعم من برامج صندوق النقد الدولي.
حققت هذه التحركات نتائج ملموسة؛ إذ تراجع التضخم من مستويات مرتفعة في 2023 إلى معدلات أقل نسبيًا في 2026، وسجل الاقتصاد نموًا ملحوظًا. لكن هذه النجاحات لم تأتِ بدافع الاختيار فقط، بل فرضتها الضرورة، خاصة مع تراجع إنتاج الغاز المحلي بشكل حاد.
انخفض الإنتاج من نحو 6.8 مليار قدم مكعب يوميًا في 2021 إلى حوالي 4 مليارات حاليًا، نتيجة تراجع إنتاج حقل ظهر، ما أدى إلى انقطاعات كهرباء خلال صيفي 2023 و2024، ودفع الحكومة لإعادة ترتيب أولوياتها في قطاع الطاقة.
صدمة الحرب تضغط على الاقتصاد
فاقمت الحرب في الخليج الأزمة. أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز إلى مصر، والتي كانت تغطي نحو 16% من الاستهلاك، في وقت ارتفعت فيه تكلفة استيراد الغاز المسال بسبب إغلاق مضيق هرمز.
وجدت مصر نفسها في موقف صعب: فقدت مصدرًا رخيصًا للطاقة، وواجهت في الوقت ذاته ارتفاعًا حادًا في تكلفة البدائل. قفزت فاتورة واردات الطاقة إلى نحو 1.65 مليار دولار في مارس 2026، مقارنة بـ560 مليون دولار قبل الأزمة.
ردّت الحكومة بسرعة، فرفعت أسعار الكهرباء للقطاع الصناعي بنحو 20%، وزادت أسعار الغاز للصناعات الثقيلة مثل الأسمدة والحديد. كما فرضت إجراءات لترشيد الاستهلاك، مثل إطفاء الإنارة العامة مبكرًا وتقليص ساعات عمل المحال.
تعكس هذه الإجراءات حجم الضغوط التي تواجه الدولة، إذ لم يعد أمامهما سوى تسريع الإصلاح حتى لو جاء ذلك على حساب ارتفاع تكلفة المعيشة.
إعادة بناء قطاع الطاقة
تركز الحكومة الآن على إعادة بناء قاعدة إنتاج الغاز لجذب الاستثمارات الأجنبية. خفضت المتأخرات المستحقة لشركات النفط العالمية بشكل كبير، وتسعى لسدادها بالكامل قريبًا، كما عدلت شروط التعاقد لتصبح أكثر جذبًا.
بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارها، حيث أعلنت شركات كبرى مثل إيني وبي بي عن استثمارات جديدة بمليارات الدولارات، إلى جانب خطط لحفر مئات الآبار خلال السنوات المقبلة.
في الوقت نفسه، تحاول مصر استغلال موقعها كمركز إقليمي للطاقة عبر استيراد الغاز من دول شرق المتوسط مثل قبرص، لإعادة تصديره أو استخدامه محليًا. لكن هذه المشاريع تحتاج وقتًا، إذ لن يبدأ تدفق الغاز الجديد قبل سنوات.
التحدي الاجتماعي: الكلفة الحقيقية للإصلاح
يبقى التحدي الأكبر اجتماعيًا. يعاني نحو 60% من السكان من ضغوط ارتفاع الأسعار، في ظل زيادات متتالية في تكلفة الطاقة. تعتمد الحكومة على برامج دعم نقدي مثل “تكافل وكرامة” لتخفيف الأثر، لكن قدرة المجتمع على تحمل مزيد من الصدمات ليست بلا حدود.
تواجه الدولة معادلة معقدة: لا مفر من الإصلاح بسبب الضغوط المالية وشروط المؤسسات الدولية، لكن تسريع الخطوات قد يفاقم التوتر الاجتماعي.
في النهاية، يتوقف نجاح التجربة المصرية على عامل الزمن: هل تنجح الحكومة في زيادة الإنتاج وجذب الاستثمارات بسرعة كافية لتخفيف الضغط عن المواطنين؟ أم يتحول هذا التوازن الهش إلى أزمة أوسع؟
تمضي مصر على حبل مشدود، وأي خلل في التوازن قد يغير المشهد بالكامل.
https://www.energyintel.com/0000019d-7667-dc76-a3df-7f774eab0000

